نعي أمريكا 3-3

خالص جلبي

مما يرويه لنا التاريخ قصة قورش العظيم الذي فقد حكمته في آخر عمره فدمر تدميرا؛ فقد سطع نجمه عام 599 قبل الميلاد فاستولى على ميديا وغزا الجزر الأيونية غرب اليونان ثم دمر بابل وأصبح يلقب بقورش (العظيم) ثم مد نظره إلى قبائل (الماسا جيتاي) الهمجية (كما في أفغانستان لأمريكا؟) عند بحر قزوين فعبر نهر (آراكسيس) إليهم وهناك أرسلت له (توميريس) ملكة الماسا جيتاي رسالة تقول فيها “يا ملك الميديين أنصحك بالتخلي عن المشروع وليس عندي خزائن بابل وحاول أن تتحمل رؤيتي، ولكنك بالطبع سترفض نصيحتي لأن آخر شيء تتمناه أن تعيش بسلام”..
ولكن قورش ضحك من قولها ودبر لهم مكيدة وقع فيها (سبارغا بيزيس) ابن الملكة في الأسر. فأرسلت له الملكة أن يعيد لها ابنها وتعطيه ثلث المملكة ويرجع وإلا “فإنني أقسم بإله الشمس أن أعطيك دماً أكثر مما تستطيع شربه”. فرفض. ولما شعر ابن الملكة أنه لن يطلق سراحه لم يطق الإذلال فقتل نفسه. وعندما علمت الملكة بموت ابنها ركبها الغضب وعلتها الأحزان وقاتلت قورش بيأس فهزمته وقتل قورش في المعركة فلما وجدت جثته قطعت رأسه ثم دسته في زق جلدي للشراب مملوء بالدم صائحة” رغم أنني انتصرت عليك وأعيش الآن فإنك قد دمرتني بأخذ ولدي عن طريق الغدر وانظر كيف أنفذ تهديدي فلديك ما يشبعك من الدم”
والتاريخ يقص علينا من نبأ الأولين، وأن أمريكا لن تكون بدعاً من الأمم فقد هلكت قبلها أمم وانقرضت حضارات.
لقد جاءت أمريكا بقضها وقضيضها، وجلبت على العرب بخيل وركاب وطائرات، ولكن قانون التاريخ كما يقول (توينبي) أنه يحقق أشياء غير التي رسمها الجبارون.
لقد أنفقت أمريكا 200 مليار دولار على هذه الحملة، وحسب الصهيوني (توماس فريدمان) في مقالته التي نشرها موقع (ICAW) أن أمريكا تنفق كل يوم من أجل الوسادة الأمنية للنظام العراقي المصنوع مليار دولار؟؟
وهو مبلغ يمكن تحقيق مشروع مارشال عربي، فتربح أمريكا قلوب العرب، ويدخل العرب في دين أمريكا أفواجا.
وأفضل ما يملك القلوب الإحسان إليها. وأعظم ما يستخرج من الإنسان بإقناعه أكثر من إكراهه.
ولكن كما يقول (فيرنر هايزنبرغ) الفيزيائي الألماني متى كانت الحرب عقلانية؟
صحيح أن أمريكا التهمت العراق، وقد تلتهم الأوبك مثل فطيرة محشوة بالزبيب، وقد تحتل أكثر من العراق، وتسيطر على منابع النفط، وتتحكم في سعر البترول بدولار مريض معاق، وتعيد رسم خريطة المنطقة، كل ذلك وارد وأكثر منه، ولكن سيحصل مع أمريكا ما هو معروف في علم الأمراض، بتشكيل المضادات في الدم، وتبدأ المقاومة ـ وقد بدأت وأمريكا غير مرحب بها مع من رحب بها في البدء ـ وفي النهاية سترحل أمريكا وتبقى الدولة الصليبية في فلسطين لوحدها، مطوقة بحزمة من دول تطلب رأسها، ويكرر التاريخ دورته كما في قصة صلاح الدين.
و”تلك الأيام نداولها بين الناس”.
فيجب ألا نحزن ونستبشر بقانون التاريخ الذي يمشي دوما باتجاه ما هو خير وأبقى.
يقول (أوسفالد شبنجلر) الفيلسوف والمؤرخ الألماني في كتابه (انحطاط الغرب) أن العالم في ظروف مجيء المسيح كان يتشكل على نحو مستحدث ففي تلك الأيام “انتاب العالم الآرامي طولاً وعرضاً انفعال غريب ومشابه للانفعال الذي خبره العالم الجرماني عام 1000 فالنفس استيقظت والجوهر الذي كان يكمن في الأديان النبوية كأنه هاجس أو اختلاج بلغ الآن مرحلة الاكتمال”. يقول شبنجلر أن هذا الاكتمال أيقظ الشعور البدائي بالخوف “فولادة الأنا وقلق العالم هي أحد الأسرار النهائية للجنس البشري. فهنا يقف أمام الكون الأصغر كون أكبر فسيح واسع رهيب قهار” وعندما يتحدث عن شخصية المسيح عليه السلام يقول إن ما كان يتفوه به” مثل كلام طفل عن وسط عالم غريب هرم مريض” وعندما حصلت المواجهة مع روما كان سؤال الحاكم الروماني ما الحق؟ ويعقب شبنجلر أنه في هذا السؤال “يكمن كامل مغزى التاريخ وشرعية العمل المطلقة وهيبة الدولة ومكانة الحرب والدم وجبروت النجاح والاعتزاز بالأهلية السامية رفيعة الشأن”.
كان جواب عيسى عليه السلام “مملكتي ليست من هذا العالم” كلمة لا تحتاج لصقل أو شرح أو تعليق فلا يوجد حل وسط بين كائن يستخدم شعوره الواعي وبين شعور واع يخضع الكائن له ولا بين الدم والذهن ولا بين التاريخ والطبيعة ولا بين السياسة والدين فهنا على المرء أن يختار فقط هذا أو ذاك منهما”.
يقول شبنجلر “وهذا هو المعنى النهائي لتلك اللحظة التي جعلت المسيح وبيلاطس يقفان وجها لوجه. ففي العالم الواحد تسبب العالم التاريخي الروماني بخاتمة للجليلي وهذا كان مصيره وفي العالم الآخر كان محكوما على روما بالدمار والهلاك” وهذه كانت إرادة الله…

* نقلاً عن جريدة ( الاقتصادية ) السعودية .

اترك رد