نعي أمريكا 2-3

خالص جلبي

إن ورطة العراق وغيرها في أفغانستان والقواعد الـ 65 المنتشرة في العالم مع حاملات الطائرة بكلفة الواحدة 5 مليارات دولار، كل ذلك يشفط مزيدا من دم المارد الأمريكي.
ونحن نعرف في الطب أن النزف المستمر يقود إلى الصدمة غير القابلة للعودة منها (Irreversible Shock)، والنزف السريع والحاد يقود إلى الموت، حتى لو حقنت العروق بالدم المفقود، وهي في الدول (استنزاف الموارد) وهذا ما تفعله أمريكا تحديداً.
إن قانون موت الحضارات وانهيار القوى العظمى ينص عليه القانون الثاني للديناميكا الحرارية الذي صيغ لأول مرة عام 1829م على يد الفرنسي (سادي كارنو Sadi Carnot) الذي يقول:
“إن كل نظام معزول كلياً عن أي نظام آخر يميل إلى أن يصبح في حالته الأكثر احتمالاً وهذه الحالة هي الفوضى الكاملة”..
وتطبيق هذا القانون يعني كما يقول (ليونارد راسترينغ) في كتابه (مملكة الفوضى) أن “كل الأنظمة المغلقة غير منتظمة وتتحلل وتموت تدريجيا. وهي تدعى في العمل الهندسي بالتآكل وفي البيولوجيا الشيخوخة وفي الكيمياء التحلل وفي علم الاجتماع الفساد وهي في التاريخ الانحطاط”.
وانتبه المؤرخ البريطاني (توينبي) إلى هذا التحول في مصير الأقلية (المبدعة) التي تبني الحضارة، حينما تندفع الأكثرية خلفها بآلية (المحاكاة)، لتنقلب بعد حين إلى أقلية مسيطرة تسوق الناس بالإكراه و(الكرباج).
وضربة سبتمبر قد تكون مؤشر السقوط الأعظم ولو بعد حين، وتتابع انهيار أسواق العقارات، وفزع بوش الأكبر فيزعق بالنداء لضخ 700 مليار دولار في عروق عجوز محتالة شمطاء كلها مؤشرات السقوط، وأمريكا ليست استثناء في التاريخ..
ويذهب المؤرخ (باول كيندي) ـ وهو مؤرخ أمريكي وشهد شاهد من أهلها؟ ـ إلى تأكيد هذه الظاهرة في الانحدار والاحتضار الأمريكي، بأن كل القوى العظمى في القرون الخمسة الفارطة أصيبت بالمرض نفسه ودلفت إلى القبر بالعلة نفسها، وهي عدم التوافق بين الإمكانات والطموحات.
بين فرط تقدير النفس والكبرياء، بين ما تنتج وما تنفق؟ مما يدخلها في ظاهرة (فرط التمدد الاستعماري Expansion).
ولم يمر على أمريكا وقت كما هو حالياً، تقاتل في كل جبهات الأرض في الوقت نفسه، وتجند فرقا كاملة خوف الإرهاب لإلقاء القبض على الناس بالشبهة؟
وتضع نفقات للتسلح والحروب تتجاوز مجموع العشر دول التالية لها في النفقات فهي تدفع 329.1 مليار دولار لآلة الحرب، مقابل روسيا 65 مليار، الصين 47، اليابان 40.3، بريطانيا 35.4، فرنسا 33.6 وأقلها ألمانيا وهي تنفق 27.5 مليار دولار.
وهي تذكر بنموذج ( دولة آشور)، التي ماتت (مختنقة في الدرع) على حد تعبير (توينبي)، فإحدى الكوارث العارمة التي أودت بأقوى دولة في غرب آسيا كانت حماقة الروح الحربية.
وهو ما يقوله (إيمانويل تود) الكاتب الفرنسي في كتابه نعوة أمريكا؟ إن ما يحصل في أمريكا هو تحلل داخلي، وحاليا لا ينتخب معظم الناس ومن يحكمها تدريجياً قوة أولغاريكية عسكرية.
وهذا لا يعني أن المؤرخ ينطق حقائق نهائية، ولكنها مجموعة من (الأعراض) و(العلامات) الخطيرة كما في الطب التشخيصي لتحديد علة الانهيار الإمبراطوري وسرطان الاحتضار؟؟
ويقول (روبرت غرين) في كتابه (قوانين القوة) تحت القانون 47 إن أخطر ما يواجه الإنسان:
“الغطرسة والثقة المفرطة وبالذهاب إلى أبعد مما ينبغي فإنك تخلق أعداءً أكثر من الذين تدحرهم فلا تدع النجاح يدير رأسك” فهذا الضبط للنفس شبه إلهي وهو الذي فعله يوماً (أوتو بسمارك) حينما وحد ألمانيا وانتصر على فرنسا ووقف عند حدوده. ولم يقتل الإمبراطوريات مثل شهية التوسع.
وهو ما تفعله أمريكا بالضبط فلتنتظر سوء المصير، إنا منتظرون.

* نقلاً عن جريدة ( الاقتصادية ) السعودية.

اترك رد