نعي أمريكا 1-3

خالص جلبي

في عام 1976 م خرج المؤرخ الفرنسي (إيمانويل تود) Emmanuel Todd على الناس بكتاب مثير يحمل عنوان (ما قبل السقوط) يتنبأ فيه بسقوط الاتحاد السوفياتي.
ثم فاجأنا بكتاب جديد أكثر إثارة يحمل عنوان (القوة العالمية الأمريكية)!.
ومن أجل الوصول إلى هذا التشخيص الجريء فهو يقوم بما يشبه التحليل الطبي وتشخيص السرطان المدنف فيقول: إن أمريكا تعاني كل (الأعراض الوصفية) التي تسم مرض انحدار القوى العظمى.
والرجل يذهب في تحليله، إلى شرح تفصيلي للمرض الأمريكي الحالي، الذي يصيب بالوهن كل القوى العظمى؛ فيأتيها من حيث لم تحتسب، فيفل حدها، ويقلص ظلها، والله وارث الأرض ومن عليها، فتبدأ في التحلل الداخلي، دون أن تدرك أنها في طريقها إلى الوهط، والقصور في الطاقة الإبداعية.
وحين يعلن بوش النفير العام لحشو سفينة أمريكا الغارقة بـ 700 مليار دولار، فالمرض لا يقف هنا، وليس عرضيا، بل مرض مدنف مزمن، ويعلن الألمان بصراحة غير معهودة منهم في احترام الأمريكان، أن أمريكا في طريقها إلى الانحدار من قوة عظمى إلى قوة ثانوية، وهو يعني أن داء الأمم أصاب أخيرا الجبار المصاب بتورم في الأطراف.
ونحن نعلم في الطب، أن من يصاب بعرطلة وضخامة في الذقن والحواجب والأطراف، فهو دليل ورم في الغدة النخامية، يسمى (مرض ضخامة الأطراف) Acromegaly يجب أن يوقف بفتح الجمجمة، وإدخال مادة الراديوم لمكافحة الورم.
وأمريكا مصابة بورم سوف يقضي عليها، كما يقضي ورم الغدة النخامية على صاحبه، ولكن هذا لا يعترف به المريض، ولا من لا يفقه سنن الطبيعة ويعي قوانين التاريخ وعلم الطب، كما في خروج قارون على الناس بزينته؛ فقال الذين لا يعلمون لولا أن لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم، وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون.
وفي النهاية خسف الله بقارون الأرض…
وهو مصير أمريكا الأكيد، فلن تخرج عن قانون تدمير المستكبرين في الأرض..
وعندما ارتكب (بريجينيف) حماقة الدب؛ فاقتحم أفغانستان عام 1980م ضرب المسمار الأخير في نعش إمبراطورية (الإكراه)، فمزقوا شر ممزق إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين..
وحين تنبأ (الخميني) بنهاية الاتحاد السوفياتي في عشر سنين، علقت يومها جريدة (الوقت) Die Zeit الألمانية على نبوءة الخميني كيف استطاع هذا الشيخ الطاعن في السن أن يحدد نبوءته بهذه الدقة؟
وحدث فعلا ما توقع بضربة عجيبة ؟!! فقد قامت الثورة الإيرانية عام 1979م وكانت نهاية إمبراطورية الشر عام 1990م..
ومع أن أمريكا هي العملاق الاقتصادي الأعظم في العالم وإنتاجها القومي يقع في سقف العالم، فمع أنها تشكل 4.5 في المائة من سكان العالم، إلا أنها تنتج 31 في المائة من الاقتصاد العالمي.
والإنتاج السنوي لها يبلغ 10455,6 مليار دولار مقابل اليابان 3991,1 مليار وألمانيا 1994,4 وبريطانيا 1559.9 وفرنسا 1429,5 وإيطاليا 1182 والصين 1315,5 وكندا 733,2.
وهي تضم 290 مليون نسمة في أرض تتمتع بكل المناخات في خمسين ولاية من المحيط إلى المحيط.
ومنها ينال جوائز نوبل أكبر عدد من العلماء.
وهي تملك أعظم ترسانة أسلحة لم يحلم بها زيوس رئيس آلهة الأولمب أيام أثينا ولا هولاكو وأتيلا.
مع كل هذا فإن التحليل الاقتصادي يقول إن العجز الاقتصادي في أمريكا سيرتفع في السنوات العشر المقبلة من 500 مليار حالياً، إلى 1.8 مليار دولار، وهو ما يذكر بصيحة الفزع التي أطلقها قبل عدة سنوات كل من (هاري فيجي) Harry E.Figgie و(جيرالد سوانسون) Gerald .Swanson في كتابهما (الإفلاس الأمريكي) The Coming Collapse of America and how to Stope It?، حيث تنبآ منذ عام 1995 أن العجز الأمريكي في طريقه إلى أن يأخذ مخطط (عصا الهوكي) بعجز يفوق طاقة أي أمة بمقدار 13 تريليون دولار بواقع أن دخل أمريكا السنوي 1.1 تريليون دولار لتصرف مقابله 1.5 تريليون دولار ما يعني عجزاً يصل سنوياً إلى 400 مليار دولار.
وفي حال تراكم هذا العجز فإنه سيصل إلى الحافة الحادة التي لن ينفع معها أي علاج.

* نقلاً عن جريدة ( الاقتصادية ) السعودية.

اترك رد