محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ
عُنيت الآداب منذ أن عرف الناس الأدب بالعناية بالمجاز كفن رفيع من فنون التعابير الأدبية. وعندما توسعت دولة الإسلام، واحتكت بالثقافات الأخرى، استفاد الأدب العربي من ثقافات المناطق المفتوحة، ونقل عنها، وترجم بعضاً من تراثها، فأثرت هذه الترجمات على الأدب العربي، وزادت من ثرائه، وعمقت من أساليبه، وارتقت بجمالياته. حتى قيل إن الأدب هو المجاز؛ وقيل: أدب لا يعترف بالمجاز لا قيمة له.
ابن المقفع الأديب المشهور ترجم كتابه الشهير (كليلة ودمنة) لخدمة هذا النوع من الأدب. ويقال إنه نقله من الفارسية إلى العربية؛ والكتاب مجموعة من الحكايات على لسان الحيوانات، بأسلوب أدبي راق، وكان هذا الكتاب نقلة نوعية في الأسلوب (المجازي) في الأدب العربي، الذي يرسم الفكرة بأسلوب يبتكره الأديب، ليؤدي رسالة يريد أن يوصلها إلى المتلقي بطريق غير مباشر، من خلال (الحيوانات) التي أنطقها.
احتفى العرب بهذا الكتاب، واعتبروه إضافة أدبية هامة في تاريخ الأدب العربي؛ ولم اقرأ أن فقيها أو شيخاً أو حتى واعظاً قال بحرمة قراءة كتاب كليلة ودمنة، لأن الجميع آنذاك اعتبره أدباً (مجازياً) راقياً، لا يمكن أن يتعامل معه على أنه (حقيقة). ومن يرصد تاريخنا الأدبي يجد أن أدبنا المحلي قد وظف الحيوان -أيضاً- في الحكاية، فكانت هناك حكايات منتشرة مازلت أتذكرها مثل (أم عامر وأبا الحصين)، و (الحمّره واللي بايع أمه بالمره) وغيرها من الحكايات الشعبية.
وباكتشاف التلفزيون، والصور المتحركة، تطور هذا الأدب، أو الفن، وتجلى أدب الحيوانات الناطقة في ما يسمى الآن (الأفلام الكارتونية)؛ فقد كانت هذه الأفلام شكلاً متطوراً من أدب كليلة ودمنة، أو أدب (أم عامر وأبا الحصين).
وفجأة خرج علينا شيخ (سوري) في إحدى القنوات الفضائية ، ممن يعيشون بيننا، ويتزيّا بزي مشايخنا، ويقدم نفسه شكلاً وموضوعاً على أنه منتج ثقافي ديني (سعودي)، ليعلن (بالنص) أن (ميكي ماوس يجب أن يقتل)!. لماذا؟ فيجيب بملء فمه: (لأن الفارة نجسة في الشريعة)، وبالتالي فإن (ميكي ماوس شرعاً يقتل في الحل والحرم كما هو الفأر)!. هذا الخلط بين (المجاز) و (الحقيقة) لا يمكن أن يخفى على الشيخ السوري، غير أن الهدف أو الغاية (أبعد) من مجرد ميكي ماوس، والفأر الذي يجب قتله؛ ثم؛ هل انتهت مآسينا الثقافية، حتى لم يبق إلا ميكي ماوس لتُشنَ عليه الحرب الصحوية؛ أي حتى ميكي ماوس ما (وفرتوه)؟ وكما أعرف -بالمناسبة- فإن الأفلام الكرتونية، وبالذات ميكي ماوس، كان يعرض في تلفزيون المملكة منذ أن فتح التلفزيون أي منذ أكثر من أربعة قرون، وقبل أن يتم (استقدام) هذا الشيخ السوري من وطنه إلى المملكة، وربما قبل أن يولد، ولم أتذكر أن أحداً من علمائنا طوال هذه المدة دعا إلى قتله كما فعل هذا الشيخ.
والذي أغاظني أن هذا التصريح تلقته الدوائر الإعلامية العالمية على اعتبار أنه فتوى لشيخ (سعودي)، وأثار ضجة، وردود أفعال واسعة، وسخرية بنا وبثقافتنا، التي -كما يقولون- لم تشرع قتل (الأوادم) فحسب؛ وإنما وصل الأمر إلى (قتل) شخصيات الرسوم الكرتونية أيضاً! وكما يقول المثل الشعبي: (يعرس سعيد ويتسبّح مبارك)؛ يقولها سوري، ويتحمل السعوديون تبعات ما يقول.
وختاماً له أقول: (عندنا ما كافينا يا خوي)، وإن كنت تريد أن تحتسب، فاحتسب في وطنك (الله يجزاك خير)، ودع عنك المزايدة علينا في أوطاننا. إلى اللقاء.
* نقلا عن صحيفة “الجزيرة” السعودية
Filed under: مقالات ثقافية فكرية
أكثرنا لا يعرف ميني ماوس عشيقة ميكي ماوس المفضلة ؟ وفي روايةٍ أخته من الرضاع ! الفويسقة الأنثى التي يحفظ ليبراليونا نسبها كاملاً حتى جدها الأول ! هذه الفأرة الجميلة تحظى بشعبية جارفة عند جماعة ( عزرا ) لتنورتها القصيرة الملونة، المنحسرة بجرأة وقحةٍ عن مناطق المسح المستهدفة بلعاب شلل الأنس، وزفراتهم المحرقة لكل طيفٍ أسود يمرق أو يميس، مهما تدنت درجة جماله ! لا سيما وأن مناط التكليف عند أكابرهم أختزل في : الكشف لأجل الرشف !
ميكي ماوس، تيمون وبومبا ( عقب التعريب ) الرجل العنكبوت، باتمان، سوبرمان، مستر أمريكا، بطبوط عقب التعريب أيضاً، واسمه الأصلي ( دونالد ) ثقافة أمريكية مقدسة لا تُمس إلا إذا أذن الأسياد وأوعزوا، عندها يذعن الأتباع وباقتدارٍ، وطاعة لا أقول عمياء، بل طاعة وقول معروف، فإذا عزم الأمر بعدها، فلن يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضى الغرب وقدّر، مع التسليم النهائي دون قيدٍ وشرطٍ .
فثقافة الغرب مقبولة لا مرذولة حتى لو خالفت أسمال نخوتهم المنقرضة من خصال الفطرة البشرية السوية، كإباحة الشذوذ الجنسي في برلمانات ومجالس أوربا ! وهوية القوم مستلبة في الأصل، أعني ….. والله لا أدري ما أقول !! أعتقد أن القوم لا يحملون هوية ثقافيةً أصلاً تنبع من قيم الجمال والشرف والصدق والنخوة والغيرة، يعني من فئة بدون … لا أقول …. جنسية، بل بدون ثقافة ! وبطاقات التوطين تصرف في العادة لأبناء التراب لتدل على الاسم والرسم، والشكل والهيئة، والطول والعرض، والأصل والفصل، واللون والمخبر، أما شهادات الهوية الثقافية فتوزع هذه الأيام بالواسطة والتزوير، والسرقة والتدليس، وزوايا الصحف التي أريد لها أن تكون شاغرة، حسب رضا رئيس التحرير الهرم !
وإذا كان الغراب دليل قومٍ – يمر بهم على أقرب حاوية نفاية !
من منا لا يعرف الشيخ محمد المنجد ؟! والحديث ليس عن شخصه الكريم، ولا عن مكانته أو سمو قدره، سأقول وعذراً لقولي وليسامحني الله، إنه مسلم عربي يعبر عن رأيه الخاص في ثقافة التيه التي رضعها القطيع حتى تلفت أكبادهم، وتقرحت شفاههم، ومن فرط حبه للنظافة التي لا تعرف طريقها إلى أجساد القوم إلا في المناسبات الوطنية وتقبيل أكتاف المسؤولين، دعاهم إلى قتل الفئران في مخادعهم ! حتى لو تقمص الفأر شخصية سيدهم ميكي ماوس !
لم يدر في خلد الشيخ أن شمل الفجار التأم ثانيةً في دار الندوة، تحت سمع وبصر أبي رغال، سائس أبرهة اللعين، حينما أجلب بقضه وقضيضه ليهدم بيت الله الحرام، وهو كاتب مغمور لا يحسن صف الحروف، ولا رتق الكلام، ولا بناء الجمل، ولا فك الخط، ولا ربط الإزار، أو شد الزنار، رأس ماله زاوية بالواسطة في صحيفة محلية، يتحدث فيها عن مزايا أسياده، وعن خطورة القرآن، وفضائل السلطان، ليقبض باليمين وباليسار عيديةً تعينه على نوائب الدهر، وشد الأزر، في زمن الفقر والقهر !
تمالأ صاحبنا مع النساخ هذه المرة، لتسطير رقعةٍ جديدةٍ، لا تقل طرافةً عن مقالاتهم التي تدور حيال زوايا المربع، وحجم قطر الدائرة عليهم دائرة السوء، غير أن صحيفتهم السوداء كانت للدفاع عن حقوق الفئران هذه المرة !
وإذا كانت النفوس كبار – أنجبت للأمة الفئران ؟!
أحرمه والده من معاقرة الطلا، أم من منادمة كتاكيت والت ديزني ؟! ربما نسي الفاضل في زحمة أشغاله أن يرفع صوت الحق في أذنه اليمنى حينما استبشر الفجر بقدومه – وفي إيجادهم لله حكمة – ويقيم الصلاة في الأخرى، فاجتالته جحافل أبي مرة، واستوطنت أذنه الوسطى هاتكة أستار قوقعته، فلم يعد يطرب إلا على قيثارة بياض الثلج، وذات الرداء الأحمر والأزرق، والأسود المنيل بستين نيلة ! أما إذا سمع الأذان فلا يملك بداً من الفرار وله ………. كما قال نبينا محمدٍ عليه الصلاة والسلام .
صدّر الصدر الأسخم مقالته الطريفة بالحديث عن المجاز في اللغة العربية، قبل أن يلج إلى تأثيرات كتاب: لغة الجرذان بدون معلم في خمسة أيامٍ ! مشرقاً ومغرباً، خافضاً عقله، باسطاً شلائه إلى عرض شيخنا المفضال، داعية الحق الذي اهتدى بأنوار فضله بعد الله الملايين من الناس في المعمورة، ساخراً من أصله، هازئاً من طريقة حديثه، ومن أمن العقوبة، أصبح شوارعجياً وباقتدارٍ .
شخصياً لا ألومه، فنوبات السُكر واختلال غدتي البنكرياس والدرقية لديه أوردته الردى، فكان حتفه في يده، عقب بتر ذنبه في المستشفى ! أضحكتني جداً مقولته : شيخ سوري يتزيا بزي مشايخنا ! تحشرجت هذه المقولة كثيراً بينه وبين مكارثي الجزيرة، أكاديمي كل شيءٍ بريالين ! مع أن العقل والمنطق والتاريخ والناس وعيال الحمايل والأمم المتحدة يقولون : هذا الزي يغطي هامات مواطني اثنتي عشرة دولة عربية !
كان ميكي مجرد حلقة من سلسة أمراضٍ استوطنت مزاجه المعتل، فشنشنته طالت جوال زادٍ الذي نفع الله به الناس، في حين قصرت به مقالاته عن جوالات الأندية الرياضية، وحزم باقات قنوات الضياع الفضائي، وجوالات الصحف والجرائد وقراءة الكف وتفسير الأحلام وحل المشاكل، بل وجوال صحيفته، ربما لأن صوت الحق علا، وصوت الباطل هوى وخفت قبل أن يتلاشى بالكلية تحت تنورة ميني ماوس .
ليهنك العلم يا داعية الحقوق الحيوانية: مارتن ميكي ماوس !
المقال السابق للكاتب / حسن مفتي
صاحب مدونة الصعاليك