عودة الشيخ “ناصر القصبي” إلى صباه

عبد الله ناصر الفوزان

لو أن المبدع الأخ ناصر القصبي عاد بذاكرته لبداية انطلاقته لوجد أن هناك سنوات وسنوات مرت تغير خلالها الكثير الكثير في المجتمع السعودي، وتطور الوعي والذوق، وأصبح ما يقبل سابقاً لا يقبل الآن… إني واثق من أنه يدرك هذا.. ومع ذلك أراه في المسلسل الجديد الذي يعرض الآن (كلنا أولاد قرية) يعيد تجسيد تلك الشخصية التي جسدها في بداية انطلاقاته ويجعلها محور الارتكاز بدلاً من الموضوع مع قدر أكبر من الاستهبال.

لقد كدت والله أغمض عيني حتى لا أواصل مشاهدة ذلك الدور البايخ الذي جسده الأخ ناصر وهو يقف على باب شقته يعطي النقود للشاب الذي أصلح جهاز التلفزيون وللطبيب مع تلك الإشارات والتلميحات المخجلة للطبيب، ثم أغمضت عيني فعلاً وأنا أشاهده (أي الأخ ناصر) يقوم بدور استهبال أكثر بياخة حتى من الناحية الفنية وهو يدعو جاره الشمالي إلى العشاء أمام المشاهدين الذين يدرك أن كثيراً منهم ربما من الأطفال.

هناك فرق كبير – في رأيي – بين كوميديا الحركة التي يحاول الأخ ناصر تجسيدها والاستهبال، فكوميديا الحركة الحقة بالإضافة لخلوها من الإسفاف الشديد تشعرك أن الذي أمامك في الشاشة أو على المسرح أهبل بالفعل أو ساذج، أما حركات الاستهبال فهي تلك التي لا يخالجك أدنى شك وأنت تشاهدها بأن الذي يقوم بها يستهبل عليك، والأخ ناصر في تلك الحركات وفي حركات أخرى كثيرة في المسلسل كان يعطيك انطباعاً قوياً راسخاً بأنه كان كذلك…

لذلك أظن أنه لو اطلع على المسلسل إنسان يخلو ذهنه من ذلك التاريخ الطويل للأخوين ناصر وعبدالله الحافل بالإبداعات الجميلة التي أنجزاها لربما أعطى بعض أبطال المسلسل الآخرين نسبة نجاح أكثر من النسب التي يعطيها للأخوين ناصر وعبدالله، خاصة الأخ ناصر.. لماذا…؟ لأن الآخرين يقومون بأدوارهم بطريقة عادية مضحكة أحيانا دون استهبال.

الأخ ناصر القصبي ورفيقه الأخ عبدالله السدحان فنانان كبيران قاما بأدوار كوميدية جيدة، وصعدا ذلك السلم الطويل بجهودهما الكبيرة وإبداعاتهما الرائعة التي أصبحت القنوات العربية تتسابق على بثها وحفرا لهما في الذاكرة الاجتماعية والمشهد الفني علامات فارقة… ولذلك فإنه من اللافت للنظر أن تغلب العاطفة التاريخية الأخ ناصر فيجسد شخصية ربما كان يحن لها ويشعر بالامتنان لها، لما كان لها من دور كبير في انطلاقاته الأولى في صباه… ولكن ألا يدرك أنه لم يعد لها القيمة الفنية والأثر الذي كان لها آنذاك خاصة حين يزداد ما فيها من الافتعال؟!

وحتى لا يقال إنني واقع أصلاً في أسر مسلسل طاش ما طاش ولم أتقبل النهج الجديد… أقول أبداً… ليس الأمر كذلك… بل وأقول أيضاً إن بعض أدوار طاش ما طاش لا تخلو من الافتعال الشديد، ولكن كان المضمون الجيد والمرامي الراقية تغطي نقطة ضعف كوميديا الحركة، أما في المسلسل الجديد، فقد كان ضعف كوميديا الحركة شديد البروز لعدم وجود ما يكفي لتغطيته… هذا فضلاً عن أن العيار قد زاد فانكشفت الحالة أكثر.

نعم… كلنا أولاد قرية، يا أخي عبدالله ويا أخي ناصر، ولكن لم أستطع أبداً إقناع نفسي بأن الأخ ناصر في المسلسل هو واحد منا نحن أبناء القرية ببساطتنا وبتلقائيتنا وربما سذاجتنا… لا أبداً بل أعطاني الانطباع بأنه يمثل بافتعال شديد، وعندما أقارن بين طاش والمسلسل الجديد أجد الأمر وكأن طاش كاتب قصة قصيرة مبدع تواصلت عطاءاته الجيدة ونجاحاته، ثم حاول أن يكتب الألوان الأخرى فكتب الرواية فجاءت ضعيفة في صياغتها ومضامينها، ولكن هذا أمر آخر وليس هو محور مقالي.

إني من محبي الأخوين ناصر وعبدالله ومتابع لأعمالهما، ومقتنع بمواهبهما، ولذلك أجزت لنفسي أن أكتب بهذه الصراحة… وإن كانت هناك قسوة، فهي قسوة المحب الناصح بإخلاص، فقد كنت في الأعوام الماضية عندما أقارن بين المسلسلات المحلية الرمضانية أجد تميزاً فيما يقدمه الأخوان ناصر وعبدالله، أما في هذا العام فبصراحة الحال من بعضه.

* نقلا عن صحيفة “الوطن” السعودية

اترك رد