هل تتسبب إسرائيل بحرب ثالثة في الخليج؟

سمير عواد

«يلاحظ المراقبون في أوروبا أن إسرائيل زادت حدة تهديداتها ولم تعد تتكتم على نواياها في مهاجمة إيران وتعمل منذ وقت لكسب مساندة الولايات المتحدة والحكومات المساندة لها في الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا».
قال الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده في قصر (ميزبيرج) قرب برلين عندما سئل عن إيران: إن كل الخيارات موجودة على الطاولة. يعلم المراقبون أن أولها الخيار العسكري. كانت زيارته لألمانيا أكثر من زيارة وداع فقد جاء ليبحث موضوع حرب جديدة هذه المرة ضد إيران. تزداد التكهنات في برلين أيضا قبل أشهر قليلة على نهاية ولاية بوش الثانية والأخيرة باحتمال مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية وهو ما تلح عليه إسرائيل.

وكشفت صحيفة(بيلد) الشعبية الواسعة الإطلاع أن بوش ناقش مع المستشارة الألمانية التي تعتبر من أبرز مؤيديه في أوروبا الغربية الخيار العسكري لهدف تدمير البرنامج النووي الإيراني الذي يقول الغرب أن إيران تريد أن تستخدمه لصنع القنبلة. من ناحيتها فإن إسرائيل القوة النووية الوحيدة حاليا في الشرق الأوسط تريد الحفاظ على تفوقها النووي ولهذا الهدف دمرت مفاعل (عسيراك) العراقي في عام 1981 حيث قال عميل الموساد السابق فكتور أوسترفوفسكي إن أحد المهندسين الفرنسيين قام بتكليف من الإسرائيليين بزرع جهاز تحديد الأهداف داخل المفاعل سهل تنفيذ الغارة، وما زعمت أنه مفاعل نووي في الأراضي السورية في مطلع سبتمبر الماضي. ولوحظ أن المستشارة الألمانية زادت كلامها حدة عندما هددت إيران مجددا بفرض باقة جديدة من العقوبات إذا لم تتجاوب مع العروض التي قدمتها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

يصعد الغرب ضغطه على إيران بعدما استطاع أن يكسب تأييد روسيا والصين لزيادة الضغط على الجمهورية الإسلامية الايرانية خاصة وأن للبلدين مصالح وثيقة مع إيران التي تشتري السلاح من روسيا وتزود الصين بالنفط والغاز.
وكشفت صحيفة(بيلد) قبل أيام عن سيناريو يقول أن سلاح الجو الإسرائيلي سيهاجم المنشآت النووية الإيرانية قبل موعد انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة في نوفمبر القادم وتتدخل الولايات المتحدة بحجة مساندة إسرائيل ضد انتقام من إيران ويترك بوش الحرب لخليفته كي يواصلها.

وكان الأمريكيون قد قدموا مساعدة للطائرات الإسرائيلية من طراز (فانتوم-16) عندما أغارت على موقع في شمال سورية وحسب زعمها دمرت مفاعل نووي أنشأته كوريا الشمالية. وقال أوتفريد ناساور المحلل العسكري في برلين: تعرف إسرائيل أنه ليس بوسعها مهاجمة إيران دون مساعدة من الولايات المتحدة في تدمير جميع المنشآت النووية الإيرانية وأضاف: حتى لو دمرت إسرائيل بعض المنشآت سوف يتأخر البرنامج بضعة أعوام.

وأشارت صحيفة(بيلد) إلى أن الحكومة الألمانية تستبعد في الوقت الحالي قيام إسرائيل بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية لأنها موزعة في مناطق متعددة وتحت الأرض إضافة إلى ما سينتج عن مثل هذا الهجوم من عواقب منها ارتفاع أسعار النفط وازدياد الهجمات التي ستستهدف إسرائيل والجنود الأمريكيين في العراق البالغ عددهم حاليا أكثر من 157 ألف جندي.

ويلاحظ المراقبون في أوروبا أن إسرائيل زادت حدة تهديداتها ولم تعد تتكتم على نواياها في مهاجمة إيران وتعمل منذ وقت لكسب مساندة الولايات المتحدة والحكومات المساندة لها في الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا.
تحاول إسرائيل أن تقنع هؤلاء أن العقوبات التي فرضت على إيران لم تسفر عن أي نجاح ولم تدفع القادة الإيرانيين إلى وقف البرنامج النووي.

وخلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن استخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت
لهجة حادة ضد إيران تبعها قيام شاوول موفاز نائبه وزير المواصلات الإيراني الأصل بتهديد إيران بهجوم نووي فيما قال داني ياتوم عضو الكنيسيت والرئيس السابق للمخابرات الإسرائيلية (موساد) أن إسرائيل لم تعد تعتقد بإمكانية التوصل إلى حل وسط ولا بتأثير العقوبات وإذا يريد العالم وقف إيران ينبغي القيام بعمل عسكري.
الدولة العبرية مصرة على العمل بمبدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيجن الذي وافق على مهاجمة مفاعل(عسيراك) وهذا ما دل عليه مهاجمتها سوريا في العام الماضي.

في الغضون يسود الظن أن الإسرائيليين يعتقدون أنه لا محال من مهاجمة إيران وغالبية أعضاء الحكومة الإسرائيلية لا يتصورون أن العقوبات سوف تدفع إيران إلى وقف برنامجها النووي علاوة على أن أولمرت الماثل بتهم الفساد وشعبيته حاليا في الحضيض سوف يكتسب شعبية إذا نجحت إسرائيل في مهمة إيران وهذه فرصته الأخيرة قبل أن يواجه مرحلة حرجة.

رغم ذلك هناك انقسام في إسرائيل حول توقيت الهجوم فالذين يوصفون بالحمائم يدعون إلى انتظار ما سوف تخلص إليه الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها الأمم المتحدة حتى يتبين موقف إيران عندها تستطيع إسرائيل اعتبار فشل الجهود الدولية حجة للدعوة إلى استخدام القوة العسكرية ضد الجمهورية الإسلامية. لكن الصقور يدعون إلى التعجيل بتنفيذ الخيار العسكري ويشيرون إلى أن التوقيت الحالي مناسب جدا خاصة وأن ولاية بوش سوف تنتهي في نوفمبر وطالما موجود في منصبه فإن ذلك يضمن وقوف واشنطن إلى جانب إسرائيل. الإسرائيليون لا يستطيعون الآن الاعتماد على أي من المرشحين جون ماكلين وباراك أوباما. حسب تحليلات الإسرائيليين إذا فاز ماكلين بمنصب الرئيس لن تكون مهاجمة إيران أول عمل يقوم به بينما قال أوباما صراحة أنه يريد الحديث مع إيران وهو الموقف الذي حظي بترحيب في أوروبا والعالم العربي والإسلامي.

في المدة الأخيرة صدرت عن بوش تصريحات تذكر بحملته عند بدء أزمة العراق عام .2002 حيث قال بوش إن الخيارات كلها على الطاولة ويحاول تهدئة أعصاب الأوروبيين بالإشارة إلى أنه ينتظر ما ستؤدي إليه الجهود الدبلوماسية حتى تستنفذ بالكامل. لكنه في نفس الوقت أكد أنه تفهم موقف السياسيين الإسرائيليين خلال زيارته الأخيرة إلى القدس الذي يلح على وقف البرنامج النووي الإيراني بواسطة القوة العسكرية.

يقول الإسرائيليون: إن حصول إيران على القنبلة سوف يقلب موازين القوى في المنطقة ويعرض إسرائيل لتهديدات دائمة وقنبلة نووية واحدة تطلق عليها سوف تمحوها من الوجود.

ويقول قادة في الجيش الإسرائيلي إنه سيصبح بيد إيران الضغط على إسرائيل كي توقف عملياتها العسكرية ضد الفلسطينيين في غزة على الفور. من ضمن النتائج الأخرى التي يشير إليها الإسرائيليون في حال حصول إيران على القنبلة أن نخبة المثقفين في إسرائيل سوف يهاجرون إلى أوروبا والولايات المتحدة مما سيعرض إسرائيل إلى كارثة اقتصادية وثقافية. وقال الجنرال الإسرائيلي السابق أفراييم سنيه: سيكون بمقدور إيران تدمير الحلم الصهيوني دون حاجة للضغط على الزر الأحمر.
الخبراء متفقون فيما بينهم أن إيران لم تتوصل إلى الآن لصنع القنبلة. لكنهم يشيرون إلى تصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ولكن إسرائيل أيضا تهدد إيران. ليس هناك دولة في الشرق الأوسط تعرف أهمية الأسلحة النووية مثل إسرائيل التي تملكها منذ أربعين سنة ووفقا لتقديرات دولية صنع في مفاعل ديمونا بصحراء النقب 100 إلى 200 رأس نووية.

وطالب المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس باستخدامها ضد إيران إذا تحتم على أن تعيش واحدة من الدولتين وتموت الأخرى. بعد العراق وسوريا جاء وقت إيران التي جاء في رسالة بعثها وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك إلى المستشار النمساوي ألفرد جوزنباور أنها على وشك بلوغ نقطة اللاعودة عن صنع القنبلة. تتوقع المخابرات الإسرائيلية حصول إيران في عام 2009 على كمية من اليورانيوم تكفي لصنع أسلحة نووية.

ويشير سياسيون في برلين إلى خشيتهم من وقوع حرب جديدة في الشرق الأوسط وحذر يوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني السابق الذي يزور واشنطن وتل أبيب باستمرار من أن إسرائيل ترى فرصتها الأخيرة في الأشهر المتبقية من عهد بوش للقيام بعمل عسكري ضد إيران وأعرب عن رأيه أن الوضع لا يبشر بالخير إلا إذا جرت حاليا مفاوضات جدية لإقناع إيران بوقف برنامج تخصيب اليورانيوم. ودعا خبير الشؤون الخارجية في الحزب الاجتماعي المسيحي البافاري كارل تيودور فرايهر تسو جوتنبيرج ألمانيا لاستغلال علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل وتشجيعها على التراجع عن فكرة القيام بعمل عسكري ضد الجمهورية الإسلامية. لكن روبريخت بولي رئيس لجنة العلاقات الخارجية التابعة للبرلمان الألماني قال: إن إيران إذا مضت في مشروعها على الغرب الوقوف لجانب إسرائيل.

ويؤيد ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي عملا عسكريا ضد إيران فيما تحبذ وزيرة الخارجية كونداليزا رايس منح الدبلوماسية فرصة. لكن بروس ريدل خبير الشرق الأوسط الذي عمل سنوات طويلة في خدمة الـ(سي آي إيه) اعترف بصعوبة إقناع الرأي العام الأمريكي بحرب ضد إيران في هذه المرحلة. لكن إسرائيل تقول أن الوقت يسير ضدها ويوضح ريدل أن المسؤولين العسكريين الإسرائيليين قالوا له أنهم يملكون خطة لضرب إيران لكنه يقول إن إيران سوف تعتبرها ضربة من الولايات المتحدة وستدخل الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وسوف تسفر الحرب عن نتائج مدمرة في أنحاء الشرق الأوسط. لكن هذا أيضا لا يمنع إسرائيل من التهديد باستخدام القوة وجر الولايات المتحدة إلى حرب لا أحد يعرف عقباها.

قبل مدة وجيزة حصلت إسرائيل على موافقة الولايات المتحدة للحصول على طائرات مدمرة من طراز 22-F تريد إسرائيل استخدامها لضرب المنشآت النووية في ناتان وبوشيهر. لكن ماذا عن سلاح الجو الإيراني؟ يقول رئيس الموساد السابق ياتوم: نحن نعلم أن سلاح الجو الإيراني ليس الأفضل في العالم ويمكن التغلب عليه. لكن منتقدو الحرب يفكرون أن إيران ستنتقم على طريقتها. إسرائيل لا تعير أهمية وتأمل أن يتولى الأمريكان المهمة وتحاول إقناع بوش أن أمامه فرصة مواتية لدخول كتب التاريخ إذا وافق على حرب ضد إيران التي يعتبرها دولة مارقة تماما كما كان يرى العراق قبل غزوه وكلنا يعرف اليوم النتائج المدمرة لهذا الغزو.

* نقلا عن صحيفة (عمان اليوم)

اترك رد